إنسانية الحيوان وحيوانية الأنسان
العقل وسيلة الخطاب والأدراك والتمييز ، وبتخاطب العقول يفترض أن يقنع
أحدها الآخر أو بعضها البعض ، وهذا ليس مجرد افتراض بل هو بيت القصيد والقصد
المطلق عندما انطلقت مخاطبة العقول بعضها البعض .
هذه حقيقة مسلّمة ، وظنّي أننا نسلم بها جميعا ، ولكن هذا التسليم
بنظرة تأمل للواقع والتاريخ وعلى المستوى الفردي أو الجماعي فإن التسليم العملي
وممارسة هذا التسليم لايؤتي أكله بكم يساوي التسليم العقلي النظري المجرد ، بمعنى
:أن أعداد من يقتنع بلغة العقل ، ومن يقتنع بالحق والحجة والحقيقة والدليل ، هي
أقلّ من القليل قياسا ومقارنة بعدد الكم الهائل ممن رضخ للغة العقل ولكن بعد
ممارسة لغة القوة .
لغة القوة ... لغة السّلاح ... لغة العضلات ... لغة العصابات .. لغة
العنف والوحشية والعنجهية والبلطجية .. هي لغة تلغي العقل ، هي لغة الجنون ،
الجنون واللاعقلانية تعني اللا إنسانية ، وبالتالي هي لغة الحيوانات وهي لغة
الغابات ... وهذا هو القانون ، فالقانون هو القوة ، والقوة لغة ذات نتائج حيوية
انسجاما مع الحيوانية .
وهنا أعتقد أننا وصلنا إلى نتيجة تقول أن النتيجة الحتمية للعقلانية
حين لاتؤتي ثمارها المرجوة هي اللاعقلانية ، فاللاعقلانية خيار فرضته هي على الطرف
العقلاني وأقنعته به ليكون خيارا عقلانيا . بمعنى : أنه عندما أفلس الخطاب من لغة
العقل كوسيلة للتفاهم ، صارت اللاعقلانية هي اللغة والبديل التلقائي الأوتوماتيكي
الوحيد كوسيلة للخطاب والإقناع والتفاهم .
بناءا على ما تقدم فإنّ العقل إذا أراد أن يحمي نفسه ويدافع عنه ، فهو
بحاجة لنحر نفسه أو قل للانتحار ، فحياته مرهونة بقتله . أو دعنا نقول أن الحيوان
الذي في الإنسان هو من يحمي الإنسان الذي في داخل هذا الحيوان .
لغة القوة والسلاح والحروب
والقتل والدماء والخراب والهدم ، بعدها مباشرة يعود الإنسان لعقله وتعود المجتمعات
البشرية والدول لبناء وتطوير مؤسساتها الحضارية . فلولا لغة الحقارة ما كانت حضارة
، ولولا الحيوانية ما كانت مؤسسات حضارية ، لولا هذا الحيوان ما كان هذا الإنسان .
هذه الرؤية التي نرى ، هل هي
هراء ؟؟ أم افتراء ؟؟؟
إليك الدليل .... مثال مصغّر بلغة الواقع بل بلغة التربية لا يستغني الأب ولا المعلم عن لغة القوة حتى يقنع
أبناءه وتلاميذه بشخصه تمهيدا للاقتناع بعلمه وتربيته ، فالتربية بالقوة وعاء
وتمهيد لسكب وصبّ علمه ، فالتربية وسيلة إقناع سابقة ليتم الاقتناع بالعقل كخطوة
لاحقة .
ودليل آخر .... حتى من سيرة
سيد الأنبياء والمرسلين ، لم يتم له نصر وفتح مبين في مكّة تلك المرحلة التربوية
العقلانية ــــ ذات الأكل القليل الذي
أشرنا إليه في بدايات سطورنا ـــ إنما تم
له ـــ صلى الله عليه وسلّم ـــ ذلك بعد استعمال القوة . وهنا أتوقف قليلا كي لا
أتهم بقلة الأدب مع الحبيب محمد ــ صلى
الله عليه وسلم ـــ ، وكي لا أقذف بالكفر بذات الذريعة ، ــ حاشا وكلا ولئلاّ أتهم
بذلك ـــ أذكّر بما آنفا أن اللا عقلانية هي التي فرضت نفسها على الطرف العقلاني ،
لأن العقلانية ليس لديها لغة العقل ، أو لأن عقلها عليه غشاء من اللا عقلانية ،
فالمطلوب من الطرف العقلاني أن يزيل هذا الغشاء ، وليس من وسيلة إلاّ اللاعقلانية لإزالة
الغشاوة . وهذه اللاعقلانية أو الوحشية أو العنف والقوة والجهل سمّ ما شئت هي عندنا أسمها قتال وجهاد ، كما أن ّ اسمها
عند غيرنا دفاع عن الوطن وبطولة ومقاومة وثورة وتمرّد ووطنية ، وكما يسمون اليوم
الربا فائدة ، والمشروبات الكحولية مشروبات روحية ، ويسمون الزنا والشذوذ والرذيلة
حب وتحرر وحريّة شخصية . فلا تتهمني ــ أفكا وبهتانا ـــ بمسمّيات تختارها مجردة
من سياقها ، حتى لو أسميتها أنا باسمها وقصدت حقيقتها ، فحقيقتها في السياق الذي
وضعت فيه ،ولست أنا من وضعها .
إذا كنت قد وفقت في إثبات
براءتي فلست في معرض الغرور لتطوير براعتي لأستعرض دليلا أجرأ من القرآن والنهج
الرباني الذي قال : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) وقال : ( قاتلوا المشركين
كآفة ) لماذا ؟؟؟؟
لأنهم ( لهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها ولهم قلوب لا
يفقهون بها ) لماذا ؟؟؟؟
لأنهم ( أولئك كالأنعام ) ... يعني حيوانات ....
لا بل يضيف سبحانه مستدركا ( بل هم أضل ) أي : هم من مستوى ومنزلة الحيوانات بدرجات وفي
دركات أقلّ .
ولماذا ؟؟؟
لأنهم لا يؤمنون ولا يعقلون ولا يفكرون ولا يتذكرون ... فهم جاهلون
... وكل هذا بسبب أنهم مستكبرون
( وإذا تتلى عليه آياتنا ولّى مستكبرا كأن لم يسمعها ) ، والنتيجة هم
غافلون معرضون يتجاهلون وهم كافرون وكاذبون.
ابحث في القرآن ستجد كثيرا من الآيات تخبرك أن هؤلاء الحيوانات هم الأكثرية وهم الأغلبية ، وستقرأ في القرآن أن أكثر الناس لايعلمون ولا يعقلون ، ويجهلون ، والحيوانات من طبيعتها أن تحفظ المعروف ، ولكن لأن هؤلاء أضل وأقلّ منزلة من الحيوانات ، يخبرك الله عنهم ويقول لك أن أكثرهم لا يشكرون .
ابحث في القرآن ستجد كثيرا من الآيات تخبرك أن هؤلاء الحيوانات هم الأكثرية وهم الأغلبية ، وستقرأ في القرآن أن أكثر الناس لايعلمون ولا يعقلون ، ويجهلون ، والحيوانات من طبيعتها أن تحفظ المعروف ، ولكن لأن هؤلاء أضل وأقلّ منزلة من الحيوانات ، يخبرك الله عنهم ويقول لك أن أكثرهم لا يشكرون .
ولأنهم حيوانات مفترسة قاتلة
، مجنونة مسعورة سامّة ضالّة ضارّة ضارية فإنّ من نهج ومنهج الربوبية التربوية
قتلها وإبادتها بكسف من السماء والصّيحة والريح العقيم ومطر السّوء وأنواع العذاب
الأليم من الصواعق والزلازل والبراكين ، بل بأنواع العذاب من صنع وغراس أيديها
لمّا زاغت عن الصّراط المستقيم فابتلاهم الله بحروب يقتّل بعضهم بعضا ، كما ابتلاهم
بغرائب الأمراض والمصائب والكوارث السياسية والاجتماعية والأزمات القتصادية ، عداك عن الأمراض النفسية
من الأرق والقلق والكآبة والهم والغم والضيق النفسي إلى حد أن يقتل أحدهم أباه
وأمّه وزوجه وبنيه وأخته وأخيه ، بل إلى حد الانتحار وأن يقتل نفسه بنفسه
............ حيوان بل أدنى وأقل .
هذا المنطق الحيواني ..
اللاعقلاني ... هو المنطق الذي اضطرإليه العقل وفرضه الإنسان على نفسه ، وبمنطق الأسباب
ونظام السببية الذي انتظمت فيه طبيعة الإنسان ــ إذا تأنسن أو تحيون ـــ نجده في
النهاية نهج ومنهج تربوي ربوبي لنعلم ولنتعلم دون ريب أو شك بل عن يقين الحقيقة
الكبرى والتي يجب أن نتربى عليها ونحمد الله عليها أنّ الله هو رب العالمين ، وما
كان سبحانه يوما ربا إلاّ يوم أن كان منذ الأزل هو العزيز القوي الحكيم العليم .
ونحن معشر البشر لولا الشر الذي فينا ما كنا بشرا ولولا منطق الحيوان ما كان لنا
حياة وما كان منا إنسان ، فمنطق العقل فينا هو منطق اللاعقلانية كي نعود لمنطق
العقل عندما لا نفقه ولا ننطق إلاّ هذا المنطق .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق