(ونفس وما سوّاها )
قال تعالى : ( ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها )
أقف عند هذه الآية ؟، أتأمّل ..أتساءل .. أتدبّر ؟؟؟؟؟؟؟
هذه النفس .. لأنّ الله عزوجلّ هو الذي سوّاها ، فهي نفس سليمة سويّة مستوية ، والاستواء ميزان ، فهي متّزنة .
ثمّ مباشرة وكما تفيد فاء التعقيب دخل عليها عنصر أو قل عامل فاعل مؤثّر هو الألهام ، والألهام نوع من أنواع الوحي الذي أشرك الله فيه أنواعا أخرى من خلقه : من الحيوان كالنحل التي أوحى لها وأومأ لها بأمر ان تتخذ من الجبال وعرائش الشجر بيوتا وأوحى لها آ لية وكيفية بناءها الهندسي المتقن الجميل .كما أوحى سبحانه الى أم موسى أن الق بموسى في اليمّ يلتقطه عدو له وعدو لله وهو فرعون . إذن الوحي ليس حصريا بصورة جبريل الذي أرسله الله للأنبياء والرسل ، إنما هو وكا عرّفه العلماء هو الأعلام الخفي السريع بأمر الله ومشيئته لجهة ما من مخلوقاته . فمباشرة أوحى الله وألهم هذه النفس البشرية السويّة أحد أمرين نقيضين لايجتمع أحدهما مع الآخر ، ووجود أحدهما ينفي وجود الآخر ألا وهما عاملي الفجور والتقوى ، إمّا الفجور وإمّا التقوى .
سؤالي هو إذا حضر أحدهما فأين يذهب الآخر ؟ إذا كانت النفس البشرية في حالة فجور وتحت سيطرته فأين ذهبت صفة وحالة وخاصية التقوى ؟ وكذلك الأمر في حالة العكس .. ذات السؤال ؟؟؟
هل يمكن تخيل النفس على هيئة مساحة كمساحة الأرض ، إذا انسلخ الليل عن نصفها انصرف إلى نصفها الآخر , فالعلاقة بينهما تبادلية ؟ هذا تساؤل يقتضيه حضور خاصية االفجور مع غياب خاصية التقوى والعكس صحيح لو قلنا بحضور خاصية التقوى مع غياب خاصية الفجور في ذات الآن والوقت ، أو بمعنى أدق كلا الخاصيتين حاضرتين كجزء من طبيعة وتركيبة النفس الأنسانية ، وبمعنى أكثر دقة : حضور إحدى الخاصيتين لا يعني غياب الأخرى ، وزيادة في الأيضاح ، حين تعيش النفس الأنسانية غيبوبة التقوى فهل فعلا غابت خاصية الفجور ، وإن غابت فأين ذهبت ؟
ولنزيد المسألة تعقيدا نطرح المثال التالي : المنافق يظهر الأيمان ، لكنه في أعماق نفسه وفي داخله يبطن الكفر .
لنعكس المثال : لو إنسان أظهر الكفر ، فهل كذلك قد يبطن الأيمان ؟
الجواب بالمصطلح الشرعي والفقهي واضح جلي : الأول اسمه منافق ، والثاني يندرج تحت قوله تعالى : ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان ) ، كما يندرج تحت قوله تعالى : ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ) فكما أن المنافق يتقي بأيمانه بأس وأذى المؤمنين حين ظهور المؤمنين وغلبتهم ، كذلك المؤمن ينافق بالكفر ليتقي بأس وأذى الكفار حين ظهورهم وغلبتهم وانكسار شوكة المسلمين .
اما فرضية ان مساحة النفس يكوّر الله عليها الفجور والتقوى كما يكور على مساحة الأرض الليل والنهار فهي فرضية صحيحة حالة ما يسمى النفاق الأصغر ، وحالة النفس اللّوامة ، وحالة تذبذب النفس بين الطاعة والعصيان وتذبذب الأيمان بين الزيادة والنقصان . وكذلك فهي فرضية خاطئة إذا ما افترضنا طبيعة النفس الأنسانية ككأس امتلأ بالماء ، فلا مجال ولا حيز ولا مساحة لأن تصب فيه الخمر أو أن تصب فيه أي سائل آخر ، كما لامجال للخلط بينهما ، وحالة الخلط تذهب خاصية الماء وتبقى خاصية الخمر ، وكذلك قلب العبد ونفس المؤمن لايطمئن بالأيمان مع حالة الفجور والعصيان .
حالة التقوى .. حالة الأيمان ... إبقاء على حالة الفطرة والنفس السويّة السليمة المتّزنة ، وحالة حفاظ عليها .
حالة الفجور حالة انفجار وخروج من حالة الكبت والحصار والسجن الذي كبّلته وقيدته وكبحته فيه حالة الأيمان .
إذا وقع هذا الانفجار ، وانطلق الفجور بالفواحش والقبائح والعصيان كالبهائم وكما نشاهد حال المسلمين اليوم كالقطعان .... فاعلم أنهم من نوع المنافق الذي يظهر الأيمان ويبطن الكفر ، ومعظم نفاقهم من نوع النفاق الأصغر ولا نتهم أنفسنا بالنفاق الأكبر لأنهم في الأصل مؤمنون ، وبالأيمان يرغبون ، ولكنهم لايعملون ، لأنهم متواكلون ، وبالتالي طغت عليهم عوامل الفجور بمسميات مدنية وحضارية وعصرية عصرتهم فباتوا عن مقاومة الشهوات عاجزون بل حتى عن تحقيق أدنى مطالب النفس البشرية محجوزون ، لها لاينالون ، ومنها محرومون ، بحكم الفقر والجهل وبدع العادات والتقاليد ، وارتقاء الكماليات الى الأساسيات ومع غلاء الأسعار ، وعروض الشهوات وإغراءاتها تولّد لديهم الكبت الذي ولّد النفاق والذبذبة بين صدق ما يعتقدون والرغبة في حالة التقوى كمطلب روحي نفسي واقتناع وخيار عقلي ، وبين ماهم عنه عاجزون وبه يرغبون كمطلب جسدي ، ومن حالة الكبت خرج الفجور ، وانطلقت شرارة الانفجار بالفسوق والعصيان ، وخرج المسلمون من حالة الرشد إلى حالة العنت والشّقاء ..... حتى أضحى الأيمان مدسوسا مخفيا بالفجور والعصيان ( قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها ) والدسّ فيه معنى إدخال الشيء بالشيء بالأكراه ، فلكثرة الفجور تمّ دسّ وإخفاء الأيمان مع أن النجاح والفلاح أن يظهر الايمان ويتمّ دسّ وإخفاء الكفر ، فالآية تجيب على تساؤلنا وتوضح أن حالة الفجور يختفي الأيمان مع وجوده مدسوسا ، وكذلك حالة التقوى زكاتها بالأيمان يصير الكفر مخفيا مع وجوده مدسوسا ، فإذا ظهر أحدهما غاب الآخر مع حضوره في حالة استتار واندساس فيه.
أسأل الله العظيم لقلوبنا وصدورنا ونفوسنا حالة النقاء والعودة للتقوى ، لأننا بها نقوى ، وهي الطمأنينة والسعادة والبلسم والشّفاء .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق